محمد بن جرير الطبري
26
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
أو نموت دونه ! فلما نهد المسلمون الثانية خرج القوم ، فرموا حول الخندق مما يلي المسلمين بحسك الحديد لكيلا يقدم عليهم الخيل ، وتركوا للمجال . وجها ، فخرجوا على المسلمين منه ، فاقتتلوا قتالا شديدا لم يقتتلوا مثله الا ليله الهرير ، الا انه كان اكمش واعجل ، وانتهى القعقاع بن عمرو في الوجه الذي زاحف فيه إلى باب خندقهم ، فاخذ به ، وامر مناديا فنادى : يا معشر المسلمين ، هذا أميركم قد دخل خندق القوم وأخذ به فاقبلوا اليه ، ولا يمنعنكم من بينكم وبينه من دخوله وانما امر بذلك ليقوى المسلمين به ، فحمل المسلمون ولا يشكون الا ان هاشما فيه ، فلم يقم لحملتهم شيء ، حتى انتهوا إلى باب الخندق ، فإذا هم بالقعقاع بن عمرو ، وقد أخذ به ، وأخذ المشركون في هزيمه يمنه ويسره عن المجال الذي بحيال خندقهم ، فهلكوا فيما أعدوا للمسلمين فعقرت دوابهم ، وعادوا رجاله ، واتبعهم المسلمون ، فلم يفلت منهم الا من لا يعد ، وقتل الله منهم يومئذ مائه الف ، فجللت القتلى المجال وما بين يديه وما خلفه ، فسميت جلولاء بما جللها من قتلاهم ، فهي جلولاء الوقيعه كتب إلى السرى ، عن شعيب ، عن سيف ، عن عبيد الله بن محفز ، عن أبيه ، قال : انى لفي أوائل الجمهور ، مدخلهم ساباط ومظلمها ، وانى لفي أوائل الجمهور حين عبروا دجلة ، ودخلوا المدائن ، ولقد أصبت بها تمثالا لو قسم في بكر بن وائل لسد منهم مسدا ، عليه جوهر ، فاديته ، فما لبثنا بالمدائن الا قليلا حتى بلغنا ان الأعاجم قد جمعت لنا بجلولاء جمعا عظيما ، وقدموا عيالاتهم إلى الجبال ، وحبسوا الأموال ، فبعث إليهم سعد عمرو بن مالك بن عتبة بن أهيب بن عبد مناف بن زهره ، وكان جند جلولاء اثنى عشر ألفا من المسلمين ، على مقدمتهم القعقاع بن عمرو ، وكان قد خرج فيهم وجوه الناس وفرسانهم ، فلما مروا ببابل مهروذ صالحه دهقانها ، على أن يفرش له جريب ارض دراهم ، ففعل وصالحه ثم مضى حتى قدم عليهم بجلولاء ، فوجدهم قد خندقوا وتحصنوا في خندقهم ، ومعهم بيت ما لهم ، وتواثقوا وتعاهدوا بالنيران الا يفروا ، ونزل المسلمون قريبا منهم ، وجعلت